الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

259

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والمراد : اسمعوا اللّه ، أي أطيعوه بالسمع للرسول صلى اللّه عليه وسلّم وطاعته . والأمر بالسمع أمر يتلقّى الشريعة والإقبال على سماع مواعظ النبي صلى اللّه عليه وسلّم وذلك وسيلة التقوى قال تعالى : فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ [ الزمر : 17 ، 18 ] . وعطف عليه وَأَطِيعُوا : أي أطيعوا ما سمعتم من أمر ونهي . وعطف وَأَنْفِقُوا تخصيص بعد تخصيص فإن الإنفاق مما أمر اللّه به فهو من المأمورات . وصيغة الأمر تشتمل واجب الإنفاق والمندوب ففيه التحريض على الإنفاق بمرتبتيه وهذا من الاهتمام بالنزاهة عن فتنة المال التي ذكرت في قوله : إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ [ التغابن : 15 ] . وانتصب خَيْراً على الصفة لمصدر محذوف دل عليه أَنْفِقُوا . والتقدير : إنفاقا خيرا لأنفسكم . هذا قول الكسائي والفرّاء فيكون خَيْراً اسم تفضيل . وأصله : أخير ، وهو محذوف الهمزة لكثرة الاستعمال ، أي الإنفاق خير لكم من الإمساك . وعن سيبويه أنه منصوب على أنه مفعول به لفعل مضمر دل عليه أَنْفِقُوا . والتقدير : ائتوا خيرا لأنفسكم . وجملة وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ تذييل . و مَنْ اسم شرط وهي من صيغ العموم : أي كل من يوق شحّ نفسه والعموم يدل على أن مَنْ مراد بها جنس لا شخص معين ولا طائفة ، وهذا حب اقتضاه حرص أكثر الناس على حفظ المال وادخاره والإقلال من نفع الغير به وذلك الحرص يسمى الشح . والمعنى : أن الإنفاق يقي صاحبه من الشحّ المنهي عنه فإذا يسر على المرء الإنفاق فيما أمر اللّه به فقد وقي شحّ نفسه وذلك من الفلاح . ولما كان ذلك فلاحا عظيما جيء في جانبه بصيغة الحصر بطريقة تعريف المسند ، وهو قصر جنس المفلحين على جنس الذين وقوا شحّ أنفسهم ، وهو قصر ادعائي للمبالغة في تحقيق وصف المفلحين الذين وقوا شحّ أنفسهم نزّل الآن فلاح غيرهم بمنزلة العدم . وإضافة شُحَّ إلى النفس للإشارة إلى أن الشح من طباع النفس فإن النفوس شحيحة بالأشياء المحببة إليها قال تعالى : وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ [ النساء : 128 ] .